الفصل 1 "السقوط الى بوتسفيلت"
كان المساء يهبط ببطء على البلدة الصغيرة، والضباب الزهري يتدلّى فوق أسطح البيوت كأن السماء تفرش بطانية من غبار الحلوى. في تلك الحديقة القديمة التي تحرسها شجرة سنديان ضخمة تتقوّس أغصانها مثل أصابع ساحرة عجوز، كان كريغ وبيتي يتسلّلان بخفة، يحملان سلة صغيرة من البسكويت ليأخذوها لصديقتهم كيسي.
كان كريغ، الأخ الأكبر، ذا شعر بني فوضوي ونظرات حذرة تحبّ مراقبة كل شيء. أمّا بيتي الصغير بعينيه الواسعتين وقدمَيه اللتين لا تتوقفان عن الركض، فكان يظن نفسه شجاعاً… لكن شجاعته تسقط منه كلما سمع صوتًا غريبًا أو رأى ظلًا طويلًا.
قال بيتي وهو يتشبث بقميص أخيه:
"كريغ… أنا سمعت كيسي تقول إن الحديقة مسكونة بوحوش نباتية!"
ضحك كريغ بخفوت:
"كيسي تمزح دائمًا… الحديقة مجرد حديقة."
لكن الحقيقة أن جدار الحديقة الخلفي كان يخفي شيئًا… شيئًا لا يعرفه أحد.
كانت الحجارة القديمة سوداء مثل الفحم، ومتشققة كأنها تتنفس. وعندما اقتربا منها، شعر بيتي بأن الهواء صار أثقل، وكأن أحدًا يراقبهما من خلف الشقوق.
طمأنه كريغ قائلاً:
"سنمر فقط من هنا لنأخذ الطريق القصير. لا شيء مخيف."
وفجأة—
دووووووم!
اهتز الجدار كأنه يستيقظ من سبات طويل.
ارتد بيتي إلى الخلف، لكن كريغ اقترب منه بحذر.
مدّ يده ولمس الحجر…
فانفتح شق واسع مثل فم وحش حجري، ومن داخله خرج هواء بارد كأن أحدًا يتنفس من العالم الآخر.
قال بيتي بصوت مرتجف:
"كريغ… لا تلمسه!!"
لكن الشر كان أسرع.
انهار جزء من الجدار، وسقط كريغ إلى الداخل كمن يسقط في بئر بلا قاع.
صرخ بيتي:
"كريييييغ!!!"
حاول أن يمسك بيد أخيه، لكن الظلام ابتلعه فجأة.
سمع بيتي صوت ارتطام بعيد… ثم صمت تام.
كان الشق قد انغلق، كأنه لم يكن هناك شيء قبل ثوانٍ.
ركض بيتي حول الجدار وحاول أن يجد أي فتحة أخرى، لكن لا شيء.
ركل الحجارة، ضربها، بكى…
لكن الجدار بقى صامتًا، يتنفس ببطء، كأنه يستمتع بخطف كريغ.
مرت دقائق طويلة قبل أن يلاحظ شيئًا غريبًا:
كان من أسفل الحائط يتسلل ضوء أخضر خافت يشبه ضوء اليراعات، لكنه ينبض ببطء، مثل قلب حي.
اقترب بيتي، ووضع أذنه على الحجارة…
وسمع أصواتًا.
أصوات همسات… وضحكات بعيدة… ورنين أجراس جنائزية.
همس صوت ضخم من الداخل:
"بووووتسفيلت ترحّب بالضيوف…"
ابتلع بيتي ريقه.
فهم الآن أن كريغ لم يسقط في حفرة… بل انتقل إلى مدينة أخرى.
مدينة ليست للحيّين.
مدينةٍ اسمها بوتسفيلت… مدينة الموتى.
---
في الداخل، كان كريغ يستيقظ ببطء.
فتح عينيه فوجد نفسه ملقى فوق أرضية من الحجارة الخضراء، تضيء كلما خطا فوقها شيءٌ غير مرئي.
السماء فوقه كانت بنفسجية، بلا شمس، تتحرك فيها غيوم سوداء بشكل حلزوني.
وفي الأفق كانت هناك بيوت… لكنها ليست بيوتًا.
كانت بيوتًا مائلة، بأبواب صغيرة جدًا ونوافذ كبيرة جدًا، وكلها تبتسم… أو تبكي… أو تتنفس.
وفي منتصف الشارع، كان يقف كائن طويل جدًا، يرتدي معطفًا أسود يصل حتى الأرض.
لكنه لم يكن له رأس… بل فانوس قديم يضيء من الداخل بلهب أخضر.
عندما اقترب منه كريغ، انفتح باب الفانوس، وسمع صوتًا جهوريًا يقول:
"أهلاً يا زائر الحيّين… لقد تأخرت كثيرًا."
تجمد كريغ في مكانه.
أحس أن كل شيء حوله يراقبه:
البيوت… الظلال… وحتى الهواء.
همس لنفسه:
"يجب… يجب أن أخرج من هنا… يجب أن أرجع لبيتي… وبيتي ينتظرني…"
لكن مدينة بوتسفيلت لا تسمح لمن يدخل… أن يخرج بسهولة.
فالطرق تتحرك، والأبواب تغيّر أماكنها، وحتى الظلال لها أرجل.
بدأ كريغ يركض، يتعثر، يلهث.
وكلما التفت خلفه، رأى أن الفانوس يتبعه ببطء…
بخطوات ثقيلة…
ولكن قريبة جدًا.
كان هناك شيء واحد يجهله:
في هذه المدينة…
كلما ركضت أكثر…
اقترب منك الموت أكثر.
---
أما بيتي في الخارج، فقد اتخذ قراره.
مسح دموعه بكم قميصه، وضرب الجدار بكل قوته.
ثم قال لنفسه:
"لن أتركك يا كريغ… حتى لو دخلت عالم الموتى."
وظهر نفس الشق من جديد…
هذه المرة كان ينتظر… بيتي.